مفهوم منطق ارسطو القديم،دراسة تفصيلية

يطلق على منطق أرسطو اسم المنطق الصورى، وأحياناً المنطق الشكلى، وقد يشار إليه أيضا باسم المنطق القديم،وكلها مصطلحات تكاد تكون متساوية لأنها تنطبق فى النهاية على مفهوم واحد، هو ذلك البناء العقلى الذى وضعه  أرسطو فى القرن الثالث قبل الميلاد، ليعصم الذهن من الخطأ في التفكير ،وأستمر تأثيره سواء فى العالم الإسلامى أو فى أوربا ما يقرب من عشرين قرنا، أى حتى  عصر النهضة الذى يبدأ بالقرن السابع عشر.

مفهوم منطق ارسطو

ينصب منطق أرسطو أساسا على صورة الفكر، أى على شكله الخارجى، دون إعطاء أهمية كبرى لمادة الفكر، ومعنى هذا أنه لا يدرس هذه المادة إلا باعتبارها مرجعا لهذا الفكر، فالفكرة الصحيحة هى الفكرة التى تطابق الواقع والفكرة الخاطئة هى ما لا يطابق الواقع. لكن صلة الفكرة بالواقع ما تلبث أن تضعف جدا، بمجرد أن يدخل منطق أرسطو فى طريقة تكوين القضايا،واستخراج عكسها، ونقيضها، وطريقة وضع الفياس، وأشكاله، وضروبه المنتجة وغير المنتجة… إلخ.

ملخص منطق ارسطو

من الصعب تلخيص منطق ارسطو؛ لأنه هو نفسه ملخص. لكن نقطة الصعوبة فى تناوله تأتى من جانب اللغة. فهو ملىء بالمصطلحات. وكل مصطلح فى حاجة إلى تحديد، وشرح، وأمثلة. هدفنا من التلخيص هو مجرد استحضاره فى أذهاننا، ونحن نتناول منهج البحث ،ولتبسيط عملية العرض إلى أكبر قدر ممكن، سوف نقسم حديثنا عن منطق ارسطو إلى ثلاث نقاط:

  • نشأته التاريخية.
  • أهم مباحثه.
  • نقده.
  • إيجابياته وسلبياته.

النشأة التاريخية لمنطق أرسطو

فى نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، راح يتجول فى أسواق أثينا، عاصمة اليونان رجل، قبيح الهيئة، بسط الزي، يكاد يكون من الفقراء .وكثيراً ما استوقف الناس من كل الطبقات ،ليلقى عليهم أسئلة كانت تحيرهم بسذاجتها الظاهرة مثل: من المزمن؟ من الكافر؟ من الشريف؟ من الوضيع؟ ما الشجاعة؟ ما الجبن؟ من الحاكم؟من الحكومة؟كيف يحكم الناس؟

وفي البداية كان يحسب المخاطبون أن الأسئلة سهلة، وأنهم قادرون على إجابته عنها ببساطة، ولكنهم سرعان ما كانوا يكتشفون أنهم عاجزون عن تصور معانيها، وأشد عجزا عن تحديدها فى لغة دقيقة، وعندئذ كان يدرك الجميع أنهم أمام معلم حكيم،لا يسأل لأنه يجهل، وإنما ليطلع الآخرين على أن مبلغهم من العلم قليل، حتى بأبسط الأمور المتعارف عليها بينهم أو التى تبدو أنها كذلك.

الرجل هو سقراط. وأهل أثينا فى ذلك الوقت شعب ثرى، منتصر فى حروبه مع الفرس فخور بان خيرات العالم المادية، وكنوزه الروحية قد أصبحت ملكا له. لكن المجتمع كان مصابا بداء مدمر، هو ادعاء العلم وعدم الاعتراف بالجهل. وقد ساعد فى نشر هذا الداء طائفة من الخطباء عرفت باسم السفسطائيين، أجادوا استخدام اللغة، وأتقنوا البلاغة، وتلاعبوا بالألفاظ، حتى لقد كانوا قادرين أحيانا على إظهار الباطل فى صوره الحق.

ومن الغريب أن السفسطائيين ظهروا أمام المجتمع واثقين من أنفسهم، لا يترددون ولا يتلعثمون. وكانوا خطباء مفوهين، فسخروا الشعب، وتمكنوا من السيطرة على طبقة الحكام والقضاة، وكانوا يعلمونهم فنهم هذا مقابل أجر مادى. أما سقراط فكان على العكس من كل هذه الصفات: فهو متسائل أبدا، ومتشكك فيما لديه، وكذلك فيما لدى الآخرين، يعلن دون استحياء أنه جاهل بالموضوع الذي يناقشه، ويظهر استعداده الكامل للتخلى عما لديه من أفكار، وقبول ما لدى الخصم من أفكار تثبت أنها صحيحة، وبالإضافة إلى هذا كله، فهو ساخر ومتهكم.لكنه التهكم الذى لا يجرح الخصم بمقدار ما يطلعه على حقيقته.

ارسطو وعلم المنطق

معجزة التفكير الإغريقى، والدليل الناصع على عبقرية أرسطو، الذى أطلق  عليه المسلمون «المعلم الأول» للإنسانية، وظل منطقه أساسا للدراسات الفلسفية والدينية فى أوربا حتى نهاية العصور الوسطى، وقال عنه الفيلسوف الألمانى كانط KANT لقد ولد المنطق مكتملا على يد أرسطو. ولم يطرا عليه تطور ذى أهمية من بعده أى كان أرسطو عالما وفيلسوفا.ولم تجتمع هاتان الصفتان فى أحد إلا حقق اروع الإنجازات فى تاريخ البشرية.لكن أرسطو لم يكن مجرد عالم أو فيلسوف. لقد كان عبقرياً متميزاً فى الناحيتين: فى الناحية العلمية.حيث درس علوم عصره (الطبيعة، الفلك، الحيوان، النبات… إلخ) وفى الناحية الفلسفية، استطاع أن يحلق بنظرته فوق هذه العلوم، وأن يستخلص منها منهجا يمكن تطبيقه عليها كلها.

أراد أرسطو فيما يبدو أن يزود الباحث بأداة تعينه على دقة لغته، ووضوح فكره، وسلامة براهينه، وصحة استنتاجاته. ولم يكن كما قد يظن أيه على أحد، فقد سمى هذا العلم الجديد الذى أنشأه باسم «التحليلات» أما ناشرو كتبه المنطقية وشراحها فهم الذين أطلقوا على مجموعها اسم «الأورجانون» Organon (يسميه العرب: النص) وهى كلمة يونانية تعنى الآلة، كما أنهم أطلقوا على العلم الذى يوجد فيها اسم «المنطق».

بناء منطق أرسطو

من الأفضل بدلا من أن نتحدث عن منطق أرسطو أن نعرض مباشرة  لأهم مباحثه، من خلال نظرة بنائية لهيكله العام.لدينا فى منطق أرسطو ثلاثة مباحث رئيسية هى:

  • التصور.
  • التصديق.
  • الاستدلال.

ومن الممكن أن نقابل بنفس الترتيب بين هذه المباحث الثلاثة وبين دراسة:

  • اللفظ كرمز مفرد يدل على معنى واحد.
  • القضية التى تربط بين لفظين، أى تتضمن حكما قابلا للصواب والخطأ.
  • دراسة قضيتين فأكثر، توضعان فى ترتيب مخصوص، بحيث ينتج عنه حكم آخر.

1- مبحث التصور

فى هذا المبحث، يتمثل غرض المنطقى فى الوصول إلى أعلى درجة ممكنة من تحديد معانى الألفاظ، والصلة بينها وبين دلالاتها المفهومة منها. وفى هذا الصدد ينبغى التفرقة – فى دلالة لفظ بين مفهومه وماصدقاته. وفى مجال ترتيب المفاهيم الكلية من حيث عمومها وخصوصها، يحدد المنطق ما يسمى بالكليات الخمس وهى: الجنس، النوع، الفصل، الخاصة، العرض.

2- مبحث التصديق

هو المبحث الذي يدرس القضايا وانواعها،والقضية عبارة عن الخبر التام الذى يحتمل الصدق والكذب. ومعنى هذا المنطق انه يستبعد الجملة الاستفهامية، وعبارات التمنى، والتعجب إلخ. أما الصدق المقصود فيعني مطابقة الخبر للواقع، فى حين يعنى الكذب عدم مطابقة الخبر للواقع.على سبيل المثال  جملة «الطائرة أسرع من القطار» قضية صادقة، لأن الحكم فيها مطابق للواقع. أما إذا قلنا «الفرس أسرع من القطار» فإن القضية ستكون كاذبة، لعدم مطابقة هذا الحكم للواقع.

3- مبحث الاستدلال

هذا هو المبحث الثالث والمهم فى مباحث منطق أرسطو، وهو يحتوى على الغرض الأساسى من وضعه؛ لأنه هو الذى يساعد الإنسان على الانتقال مما لديه من معلومات إلى معلومات أخرى، أو يستدل بهذه على تلك،  ومن هذه الزاوية، فإنه يزيد المعرفة الإنسانية ويعمل على تطويرها. وهنا لا يستخدم المنطق القضية فى حد ذاتها، وإنما كوحدة أولية لإنشاء  تركيبات أكثر تعقيدا. وهناك ثلاثة أنواع من الاستدلال:

  • استدلال مباشر، وفيه ينتقل العقل ببساطة من صدق قضية أو كذبها إلى صدق قضية أخرى أو كذبها مثال: «كل مصرى إفريقى» ننتقل منها إلى (بعض المصريين أفارقة).
  • الاستدلال القياسى وفيه يتم الانتقال من العلم بقضيتين  (أو أكثر) إلى قضية ثالثة مثال: المعادن جيدة التوصيل للحرارة،والنحاس معدن. إذن: النحاس جيد التوصيل للحرارة.
  • الاستدلال الاستقرائى ( أو الاستقراء)، وفيه ينتقل الذهن من أمثلة جزئية إلى حكم كلى ينطبق على هذه الأمثلة وعلى كل ما يشابهها.

نقد منطق أرسطو

جرت عادة الباحثين فى المنطق الحديث على نقض المنطق القديم، باعتباره  السبب الرئيسى فى تقهقر الفكر العلمى خلال ما يقرب من عشرين قرنا. ولاشك فى أن حملتهم عليه كانت عبارة عن رد فعل مساو فى القوة للسيطرة العنيفة التى ظل هذا المنطق يمارسها على مفكرى العصور الوسطى سواء فى الشرق  أو فى الغرب.ومع ذلك فإن الروح العلمية نقتضى منا أن ننظر إليه بالقدر اللازم من  الإنصاف، وهذا يؤدى بنا إلى الكشف عن إيجابياته، قبل أن نعرض لسلبياته.

إيجابياته

  • كان للمنطق أثره الكبير فى تطوير عملية تعريف الأشياء، ومفاهيمها العامة  وتحديد الألفاظ من حيث السلب والإيجاب، والجزئية والكلية… إلخ.
  • ساعد كثيرا على عملية  نصنيف الموجودات، عن طريق تحديد أنواع التقسيم.
  • أوضح الفروق الدقيقة بين البرهان والجدل، والسفسطة.وبذلك وضع  ضوابط صارمة فى مناقشة الخصوم، وتناول آرائهم.
  • نبه العقل الإنسانى إلى ضرورة الانتقال التدريجي  من المقدمات إلى النتائج (القياس).
  • ساعد رجال الدينى على إعطاء براهينهم صبغة عقلية عامة،ويتضح ذلك من الأدلة العقلية  على و جود الله، وإمكانية البعث .

سلبياته

  • أنه منطق شكلى، يهتم أساسا بصورة الفكر، وعدم تناقضها مع نفسها، وبذلك لا يعطى لمادة الفكر قيمة تذكر. وقد ساعد هذا كثيرا على ابتعاد  الفكر عن موضوعه، وتحولت المعرفة بالتالى إلى جدل عقلى خالص.
  • أنه يهتم بذاتيات الأشياء، وتحديد جواهرها، ومن الناحية العملية، يعتبر البحث فى هذا المجال غير مفيد على الإطلاق، وأولى منه البحث عن كمية  الأشياء وكيفياتها، والعلاقات التى تربطها أو تفصلها.
  • تبع ذلك اهتمام المنطق الأرسطى بدراسة الثبات فى الأشياء، دون التركيز على الأعراض و الصفات المتغيرة. ومن المعروف أن العلم الحديث إنما يقوم أساسا على دراسة هذه المتغيرات.
  • ساعد كثيرا على جمود الفكر الإنسانى، وذلك بصبه فى قوالب آلية رتيبة ، كما حصر أفقه فى مجال المعرفة عندما استبعد تماما قفزات الخيال التى ثبت فيما بعد أنها هى العامل الأساسى فى معظم الاكتشافات.
  • يعتمد منطق أرسطو على القياس، ويعتبره أحد مفاخره، ومع ذلك فان  هذا القياس لا يأتى بجديد، فعندما نقول (سقراط إنسان – وكل إنسان  فان – إذن سقراط فان) نظن أننا وصلنا إلى نتيجة جديدة، ولكنها فى  الواقع متضمنة وموجودة سلفا فى القضية الثانية (كل إنسان فان)  وبذلك فإننا أشبه ما نكون بالذى يدور فى حلقة مفرغة.
  • يدعى منطق أرسطو أنه يضع قوانين للعقل الإنسانى، وذلك فى الوقت الذى تنبع فيه هذه القوانين من العقل الإنسانى نفسه، فكيف يصبح الشىء حكما على ذاته؟ .
  • عندما تطورت العلوم التجريبية (فلك، طبيعة، ميكانيكا… إلخ) ابتداء من القرن  السابع عشر، فقد تطورت بعيدا عن منطق أرسطو تماما، وهذا يعنى أنها اتبعت منهجا آخر، خاصا بها، وأن منطق أرسطو لن يفيدها فى شيء.
اترك تعليقا