بحث شامل عن ثورة 1919 م

ثورة مصر القومية

تعد ثورة 1919 م من أعظم الثورات المصرية ، حيث شهد التاريخ المصري أتحادا غير  مسبوق بين طوائف و فئات المجتمع المختلفة ، فاتحد الهلال و الصليب و الرجال و النساء تحت مطلب و رغبة واحدة ، وهي مواجهة الاحتلال البريطاني . كانت الأوضاع السياسية في مصر تنذر بخطر الثورة ، فكان الأحتلال البريطاني يماطل في تنفيذ وعده بالجلاء عن مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ، مع استغلال الأحتلال لموارد الدولة و استزافها لأجل مصالح الأنجليز ، فسائت أحوال أغلب طبقات الشعب ، و مع ارتفاع الأسعار و احتكار الأجانب للوظائف و مصادر الدخل ضاقت السبل بالمصرين و لم يعد هناك حل غير اللجوء للثورة .

أحوال مصر قبل الثورة

لطالما كان المصريين في محاولات مستمرة ضد الأجانب و الأحتلال قبل حتى وجود الأحتلال بشكل عسكري داخل البلاد .

قبل الحرب العالمية الأولى

  • ابتداءاً من الثورة العرابية التي كان على رأسها أحمد عرابي محتجا على انصياع الخديوي توفيق للأجانب و زيادة تدخلهم في شئون الدولة .
  • و من ثم الحركة الوطنية بقيادة مصطفي كامل و محمد فريد و التي كانت تبعث عن حلول دبلوماسية مع الدولة العثمانية – التي كانت مصر تقع تحت سلطتها آن ذاك – مستهدفة تحرير مصر من الاحتلال البريطاني ، و البحث عن عون دول أجنبية أخرى مثل فرنسا .
  • توفي مصطفي كامل في فبراير عام 1908 م قبل تحقيق هدفة في جلاء الإنجليز عن مصر ، و لكنه بلا شك قد هيأ الوضع السياسي في مصر و تنظيمة بتأسيس الحزب الوطني عام 1907 م ، كما تأسست عدة أحزاب أخرى .
  • كانت معظم الأحزاب تناضل ضد الإنجليز و تطالب بالجلاء و الدستور و الحياة النيابية الحقيقية ، و استمر الحال على ذلك حتى قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 م .

خلال الحرب العالمية الأولى

قام الاحتلال الإنجليزي بالعديد من الإجراءات لفرض كامل سيطرتها على مصر ، و انتهزت فرصة دخول الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ضد أنجلترا ، فقامت بريطانيا بـ :

  • إنهاء السيادة العثمانية على مصر و فرض الحماية البريطانية عليها عام 1914 م .
  • عزل الخديوي عباس حلمي الثاني و تعيين حسين كامل و منحه لقب سلطان ، و الذي كان  منحازا لقوى الاحتلال .
  • قامت قوى الأحتلال باستبداد المصريين بكافة الوسائل خلال الحرب.
  • مصادرة أملاك الفلاحين من المواشي و الحبوب ، و الاستيلاء على المحاصيل من الأقطان و غيرها من خيرات أراضيهم .
  • قمع الحريات و جميع أشكال المعارضة ، فكمموا الصحافة و منعوا انعقاد الجمعية التشريعية  التي تضم ممثلي الشعب .
  • رفع أسعار جميع السلع بدون أن يقابل ذلك رفع في الأجور أو توفير الوظائف .
  • قامت بتجنيد المصريين قسرا و نقلهم لخدمة القوات البريطانية .

بعد الحرب العالمية الأولى

بعد انتهاء الحرب و مواجهة المصريين لجميع أشكال القهر من قبل الاحتلال بدأت تبرز فكرة القومية المصرية بين صفوف الشعب ؛ بسبب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب و فقدهم  لحمايتها و دعمها العسكري . تمثلت أهداف الحركة الوطنية في هدفين أساسيين هما :

  • إنهاء الاحتلال البريطاني عن مصر .
  • إعلان مصر دولة مستقلة ذات سيادة .

كان لدى المصريين أمل تحقق هذه الأهداف من خلال التفاوض على الاستقلال في  ” مؤتمر الصلح ” الذي عقد بباريس في يونيه عام 1919 م .

مقدمات الثورة

كان الشعب المصري يتطلع للمشاركة في مؤتمر الصلح لاستعادة الاستقلال ، و في نوفمبر 1918 م ذهب وفد من زعماء الشعب هم سعد زغلول ، عبد العزيز فهمي ، علي شعراوي ، لمقابلة المندوب السامي البريطاني ” ونجت ” للسماح لهم بالسفر إلى بريطانيا للتفاوض مع  الحكومة حتى تسمح لهم بالمشاركة في المؤتمر ، و لكن رفض المندوب السامي طلبهم لعدم  أصلحيتهم ليكونوا ممثلين عن كافة الشعب المصري .  قرر سعد زغلول و رفاقه تأليف هيئة ” الوفد المصري ” بهدف جمع توكيلات من الأمة المصرية تخول لهم التحدث على لسان الشعب ، و لاقى هذا الوفد ترحيبا من المصريين و جماهير الشعب بتوقيع هذه التوكيلات حتى أصبح الوفد المصري العمود الفقري للحركة الوطنية باعتباره وكيلا للأمة المصرية . أعترضت أنجلترا على هذا الأتحاد فقامت باعتقال سعد زغلول و بعض من أعضاء الوفد و نفيهم إلى جزيرة مالطة في مارس 1919 م ، و كان ذلك هو الفتيل الذي أشعل نيران الثورة في يجميع أنحاء مصر .

 أحداث ثورة 1919

كانت ثورة 1919 م هي رمز حقيقي للثورة القومية فبدأت أحداث الثورة يوم 9 مارس حيث اندلعت الثورة من القرى و الأزقة و المدن ، و شارك بها العمال و الفلاحين و المثقفين و  الطلبة ، فكانت جميع فئات الشعب بلا استثناء قد ضاقت ذرعا من سياسات الاحتلال . خرجت الجماهير المحتجة للشوارع فدارت الاشتباكات مع رجال البوليس و تعطلت حركة  المواصلات ، تجلت مظاهر الوحدة الوطنية بين المسلمين و الأقباط فاتخذ الثورا علما يجمع  بين الهلال و الصلين و اتحد دمهم المسفوح على الأرصفة برصاص الإنجليز .  أرسل الأزهر مشايخ ليخطبوا في المحتشدين داخل المساجد و حتى الكنائس ، و خطب قساوسة الكنيسة في المساجد .  كانت ثورة 1919 م هي أول ظهور واضح لدور المرأة في الاحتجاجات فخرجت المظاهرات  النسائية و شاركت في بناء المتاريس لإعاقة حركة قوات الاحتلال .  استولى الثوار على السلطة في مدينة زفتى فاستولوا على الأسلحة في مقر الشرطة ، و أعلنوا استقلالهم عن مصر و إعلان جمهرية زفتى ، و عند محاولة قوى الاحتلال استعادة السيطرة  بإرسال قوات عسكرية بالقطار ، قطع المواطنون سكك الحديد و التليفون و التلغراف ،
و استمرت هذه الجمهرية لمدة عشرة أيام فقط .

مواجهة قوات الاحتلال للثورة

واجهت قوات الاحتلا البريطاني الثورة بقوة السلاح و بكل عنف أرسلت الطائرات الحربية للوجه البحري و اللصعيد و قصفت البيوت و القرى بالقنابل ، و الذي مكنها من قمع  المظاهرات ، فقام الشعب المصري بتغيير طريقة احتجاجهم فأضرب عمال السكك الحديد عن العمل و قاموا بإتلاف مفاتيح القضبان و الخط الحديد ، فتعطلت قطارات الوجه القبلي ، كما  ظهرت جمعيات المعارضة السرية مثل جماعة اليد السوداء .  أدت هذه الاحتجادات لتراجع الاحتلال و الإفراج عن سعد زغلول في 18 إبريل .

الوفد المصري في باريس

فوجئ الوفد المصري برئاسة سعد زغلول باعتراف مؤتمر الصلح بالحماية البريطانية على مصر ، فحاول الوفد إقناع المؤتمر ، فألقى الخطب على برلمان الدول الأوروبية و مناشدتهم  بالعدول عن قرارهم .  أستمر سعد زغلول في قيادة الحركة الوطنية في مصر أثناء تواجده في باريس من خلال لجنة الوفد المركزية بالقاهرة حيث كان يعطي تعليماته عن طريق إرسال خطابات سرية إلى عبدالرحمن فهمي و الذي كان يمثل السكرتير العام للجنة فمكنه ذلك من :

  • تكوين جهاز سري لمقاومة الإنجليز .
  • تنظيم حركة الشعب المصري ضد الاحتلال .
  • تأسيس نقابات عمالية .
  • مقاومة العناصر المعادية للوفد .

لجنة ملنر

أرسلت إنجلترا لجنة برئاسة اللورد ألفريد ملنر و الذي كان وزيرا للمستعمرات البريطانية ،  بغرض البحث في أسباب الثورة و محاولة إقناع الشعب بالحماية البريطانية .  قوبلت هذه اللجنة بسخط شديد من المصريين فخرجوا في مظاهرات ضدها و تمسكوا بالأمل في لجنة الوفد برئاسة سعد زغلول .  قضت اللجنة ثلاثة أشهر في مصر حتى غادرت في السادس من مارس 1920 م ، فأدرك اللورد ملنر أن الشعب متمسك بالوفد فلم يجد حلا سوى التفاوض مع سعد زغلول نفسه لحل القضية الوطنية ، و كانت هذه بداية مرحلة التفاوض المصري البريطاني على الاستقلاق .

خاتمة بحث عن ثورة 1919

كانت أسباب الثورة هو انفجار الكبت المخزن من مواجهة أعوام و عقود طويلة من الظلم و  سوء الأحوال السياسية و الأقتصادية و المجتمعية للبلاد ، فباتحاد الشعب و باتحاده فقط أستمعت قوى الاحتلال لمطالب الشعب ، و مع الإصرار على المطالبة بحقوق المصريين و عدم التخلي أو التنازل عن أي من مطالب الثورة أعترفت الحكومة الإنجليزية بالتفاوض ، و مع قائد حقيقي يحارب لأجل قضية و طنية و ليس لأجل مصالحه الشخصية ، كان الشعب المصري قادر على مواجهة إحدى أعظم القوى العسكرية حينها و هو مجرد من السلاح .  بدراسة التاريخ نتعلم هذه القيم الهامة فعلى الوطن و الشعب أن يظل يدا واحدة بدون كراهية أو تفرقة بين الفئات أو الأديان أو الأجناس فمعا سنتمكن من تطوير بلادنا و النهوض بها .

اترك تعليقا