advertisement

أواخر أيام عبد العزيز وتولي سعود العرش،والصراع مع الملك فيصل

0 969

إصلاحات عبد العزيز ومرضه

advertisement

في أواخر حياته، قام الملك عبد العزيز بإجراء إصلاحات هامة في الدولة. ففي تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1953، أصدر مرسوماً يتعلق بإعادة تنظيم مجلس الوزراء، الذي كان قد امتدت صلاحياته لتشمل كافة أنحاء المملكة، وليس الحجاز فقط. وكان عبد العزيز قد اشتهر بقوته وشجاعته في شبابه وكهولته، لكنه كان يعاني من آلام شديدة في ساقه بسبب جرح قديم. ومع تقدمه في السن، زادت هذه الآلام حدة، حتى أنه لم يستطع ثني ركبته أو النوم بسهولة. وقد تلقى هدية من الرئيس الأميركي روزفلت عبارة عن كرسي متحرك مشابه لكرسيه. وأعجب ابن سعود بهذا الكرسي وظل يستخدمه باستمرار ليرتاح. ولكن يبدو أن هذا التقليل من الحركة ساهم في تدهور صحته ووفاته في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1953 في مدينة الطائف. وقد حضر جنازته نحو مائة أمير من أفراد عائلته، وأقسموا الولاء لابنه سعود كملك جديد، ولابنه فيصل كولي للعهد. ونُقل جثمان عبد العزيز إلى الرياض حيث دُفن بحسب التقاليد الوهابية، دون شاهد أو تابوت أو ضريح. ولا يمكن التفرقة بين قبره وقبور باقي أفراد عائلته، بما في ذلك شقيقته المحبوبة نورا.

صراع سعود وفيصل

سعود هو ابن عبد العزيز الثاني بعد تركي الذي توفي شاباً بسبب المرض. وأم سعود هي من آل عريعر، وهم شيوخ قبيلة بنو خالد. أما فيصل فهو ابن عبد العزيز من زوجته الثالثة التي تنتمي إلى آل الشيخ. وكان هناك تنافس دائم بين الشقيقين حول السلطة، حتى بعد وفاة والدهما. ففور تولي سعود العرش في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1953، أكد تعيين فيصل نائباً لرئيس الوزراء وزيراً للخارجية، واحتفظ لنفسه برئاسة الحكومة. ولكن سعود كان يتدخل في شؤون فيصل ويقيد نفوذه، حتى اشتد الصراع بينهما في نهاية الخمسينات، وبدأ الناس يتحدثون عن وجود “ازدواجية في السلطة” في المملكة.

advertisement

سياسة سعود الخارجية

في أول خطاب له كملك، ألقاه سعود في آذار (مارس) 1954، أعلن عن موقفه السياسي العام. وأكد على التزامه بالدين والشريعة، وعزمه على متابعة سياسة والده وأساليب حكمه. ومن أولويات حكومته تثبيت أصول الدين والشرع، وتعزيز الجيش، ومكافحة الفقر والجوع والمرض، وتحسين الخدمات الطبية، وإنشاء وزارات للتعليم والزراعة والمواصلات. كما أعلن سعود عن تأييده للتعاون مع البلدان العربية ضمن إطار الجامعة العربية، ووفقاً لميثاقها ومعاهدة الدفاع المشترك التي أبرمها مع مصر وسوريا واليمن في نيسان (أبريل) 1956 في جدة. وأطلق سعود دعوة إلى تقوية العلاقات مع البلدان الإسلامية، ووعد بالاستمرار في اتباع سياسة معادية لإسرائيل.

سعود وعبد الناصر: من التحالف إلى الصراع

كان الملك سعود ينظر بإعجاب إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي كان يقود حركة مقاومة الاستعمار البريطاني والفرنسي في المنطقة. وكانت سياسة مصر تتسم بالحذر من مواجهة الولايات المتحدة بشكل مباشر، وهو ما كان يتفق مع مصالح السعودية. وخلال حرب السويس عام 1956، دعمت السعودية مصر وقطعت علاقاتها مع بريطانيا وفرنسا، وأوقفت تصدير النفط إليهما، مما أثر على اقتصادها. كما قدمت السعودية مساعدات مالية كبيرة لمصر.

advertisement

الخلاف بسبب مبدأ أيزنهاور

لكن التحالف بين سعود وعبد الناصر لم يستمر طويلاً. ففي عام 1957، أعلن الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عن مبدأ يحمل اسمه، والذي يقضي بتقديم المساعدة الأميركية لأي دولة تطلبها في المنطقة لمواجهة التهديدات الشيوعية أو القومية. وانتقد هذا المبدأ عدد من الدول العربية، التي اعتبرته تدخلاً في شؤونها. وفي شباط (فبراير) 1958، أصدر سعود وعبد الناصر والرئيس السوري شكري القوتلي وملك الأردن حسين بن طلال بياناً مشتركاً يرفضون فيه مبدأ أيزنهاور، ويؤكدون على سيادة دولهم وحقهم في تحديد مصيرهم. لكن سعود كان قد توجه إلى الولايات المتحدة في كانون الثاني (يناير) من نفس العام، واتفق مع أيزنهاور على تزويده بأسلحة وقروض وخبراء عسكريين. وكان سعود يحظى بثقة واشنطن، التي كانت ترى فيه حليفاً استراتيجياً في المنطقة، نظراً لثروته النفطية ونفوذه في العالم الإسلامي. كما التقى سعود في زيارته بولي عهد العراق عبد الإله، بوساطة أميركية.

انفجار الصراع بسبب اتهامات الاغتيال

في شباط (فبراير) 1958، أُعلِنَ عن تأسيس الجمهورية العربية المتحدة، التي انضمت إليها مصر وسوريا. وهذا الحدث أثار غضب سعود، الذي كان يخشى من تنامي نفوذ عبد الناصر في العالم العربي. وفي آذار (مارس) من نفس العام، اتهم سعود علناً عبد الناصر بالتخطيط لاغتياله. واستند في اتهامه إلى شهادة عبد الحميد السراج، الذي كان مدير المخابرات السورية قبل انضمام سوريا إلى الجمهورية المتحدة. وزعم السراج أن سعود عرض عليه مليون جنيه استرليني مقابل تنفيذ المخطط. ونشرت بعض الصحف صوراً لصكوك بقيمة مليوني جنيه استرليني، قيل إنها أُرسِلَت من السعودية إلى بنك في بيروت. وهذه الاتهامات أثارت غضب الشعب السعودي، الذي كان يحب عبد الناصر ويتأثر بدعايته الإذاعية. وكان عبد الناصر قد حاول قلب نظام سعود في عام 1955، بمساعدة بعض الضباط السعوديين الموالين له.

advertisement

advertisement

محاولة انقلاب فيصل

أمام هذه المخاطر، بدأ جزء كبير من آل سعود وكبار العلماء يفكرون في ضرورة إزاحة سعود عن الحكم، وإعطاء فيصل السلطة الفعلية. ففيصل كان يحظى بشعبية واحترام أكبر من سعود، وكان أكثر حكمة وواقعية في التعامل مع المشكلات الداخلية والخارجية. فتحصن سعود في قصره في الرياض، وحوله حراسه وجنوده. في حين كان فيصل يجوب البادية، ويحاول كسب تأييد شيوخ القبائل. وطالب فيصل بأن يكون رئيساً للحكومة دون تدخل من سعود. لكن سعود رفض هذا المطلب. فقام مجموعة من الأمراء بقيادة فهد بن عبد العزيز بإرسال إنذار إلى سعود في 24 آذار (مارس) 1958، يُطالِبُونَ فيه بتسليم السلطة إلى فيصل، وإقالة المستشارين المتورطين في محاولة اغتيال عبد الناصر.

مرض فيصل وتعيين فهد بن عبد العزيز وكيلاً له

في عام ١٩٦٠، أصاب مرض فيصل بن عبد العزيز، ولي عهد الملك سعود، واضطر إلى السفر إلى أوروبا للعلاج. وقبل سفره، اختار فهد بن عبد العزيز، أحد أشقائه، ليكون وكيلاً له في إدارة الحكومة. ولكن الملك سعود رفض هذا التعيين، واعتبر أن فيصل يريد التخلي عن منصبه. وعندما قدم فيصل مسودة مرسوم ملكي للموافقة على الميزانية، رفض الملك توقيعها، وأرسل رسالة إلى فيصل تحتج على مضمونها. وبذلك، انتهت حكومة فيصل، وتولى الملك سعود رئاسة الحكومة بنفسه، وعيّن وزراء جدد من بينهم ابناه طلال بن عبد العزيز ومحمد بن سعود.

بعد تولي سعود الحكومة، اشتد الصراع بينه وبين شقيقه فيصل وحلفائهما من داخل الأسرة المالكة وخارجها. وكان كلا منهما يحاول تأمين نفوذه ومصالحه على حساب الآخر. وتدخلت في الصراع مختلف القوى السياسية والاجتماعية في المملكة، مثل رجال الدين والأوساط التجارية والطبقة البرجوازية. وظهرت خلافات حول قضايا مثل تنظيم المالية والإصلاحات الاقتصادية والتجديد الثقافي والإعلامي. وأصدر سعود إيعازًا يحذر من محاولة تغيير النظام الملكي أو التطاول على الدولة أو شق القوات المسلحة. وانتقد فيصل حكومة سعود بشدة، واتهمه بالإسراف والفساد.

دور طلال بن عبد العزيز في حكومة سعود

advertisement

أحد أبرز الشخصيات التي شاركت في حكومة سعود هو طلال بن عبد العزيز، ابن الملك سعود، الذي تولى حقيبة المالية. كان طلال من المؤيدين لفكرة تأسيس دستور للمملكة، يضمن حقوق المواطنين والحريات الأساسية. كما كان طلال من المؤمنين بضرورة التطور الاقتصادي والإجتماعي للبلاد، وطرح مشاريع لتأميم بعض الشركات والخدمات، وتوفير تعويضات للعمال المصابين بالعجز. ولكن هذه المشاريع واجهت معارضة شديدة من قبل جماعة فيصل ورجال الدين والمستثمرين، الذين رأوا فيها تهديدًا لمصالحهم ومبادئهم. ودخل طلال في صراع مباشر مع شقيقه الأكبر سعود، الذي اتهمه بالمضاربة بالأراضي ورفض اقتراحاته. وفي نهاية المطاف، أقال سعود طلال من منصبه، وحل محله نواف بن عبد العزيز، أحد أشقاء فيصل.

مرض الملك سعود وتعيين فيصل وصياً وملكاً للمملكة

في عام ١٩٦٠، تدهورت حالة الملك سعود الصحية، ودخل في غيبوبة. ونقل إلى المستشفى الأميركي في قاعدة الظهران، ثم إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج. وقبل مغادرته البلاد، ضغط عليه بعض أفراد الأسرة المالكة ليعين شقيقه فيصل بن عبد العزيز وصياً على الحكم. ووافق سعود على ذلك، وأصدر مرسوماً ملكياً يفوض فيصل بإدارة شؤون الدولة. وبقي سعود في الولايات المتحدة لمدة عام، خضع خلالها لعدة عمليات جراحية. وفي غيابه، تولى فيصل رئاسة الحكومة رسمياً في عام ١٩٦٢، بعد أن حصل على موافقة مجلس الوزراء. وفي عام ١٩٦٣، تم تنصيب فيصل ملكاً للمملكة، بعد أن أصدر فتوى العلماء بذلك، وبايعه جميع أفراد الأسرة المالكة ومجلس الشورى وممثلو المحافظات.

مواجهة فيصل لطلال بن عبد العزيز وحركته الإصلاحية

أحد أبرز التحديات التي واجهها فيصل في حكمه هو حركة طلال بن عبد العزيز، ابن شقيقه سعود، الذي كان يطالب بإقامة دستور ديمقراطي للمملكة. كان طلال قد شارك في حكومة سعود كوزير للمالية، وأثار جدلاً بسبب مشاريعه الاقتصادية والثقافية. وفي عام ١٩٦٢، هاجر طلال إلى بيروت، حيث عقد مؤتمراً صحافياً، وانتقد نظام حكم المملكة. وانضم إليه في هذه الخطوة أربعة أمراء من آل سعود، هم: عبد المحسن بن عبد العزيز، وبدر بن عبد العزيز، وفوّاز بن عبد العزيز وسعد بن فهد. وواجهت حركة طلال رد فعل قوي من قبل حكومة فيصل، التي أصدرت أحكاماً عرفية تقضي بالإعدام على من يحاول تغيير النظام الملكي.

تحسن العلاقات السعودية – البريطانية في عهد فيصل

في عام ١٩٦٧، قام الملك فيصل بزيارة رسمية إلى بريطانيا، وهي الزيارة الأولى له كملك للمملكة. وكانت هذه الزيارة تأتي في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري بين البلدين، بعد أن وقعتا معاهدة في عام ١٩٦٥، تلتزم بموجبها بريطانيا بتوريد السعودية بطائرات نفاثة وأجهزة رادار ومعدات عسكرية أخرى. وكانت هذه المعاهدة تشمل أيضاً الولايات المتحدة، التي كانت شريكة لبريطانيا في تصدير الأسلحة للسعودية. ولكن هذا الشراكة لم تستمر طويلاً، ففي السبعينات، اندلعت منافسة بين الشركات الأميركية والبريطانية على سوق السلاح السعودية.

advertisement

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.